تاريخ العراق

Previous Previous

بَغْدَاد هيَ عَاصِمَة جُمْهُوريَّة العِرَاق، ومَرّكَز محافظة بَغْدَاد. في عامْ 2016 بلغَ عَددُ سُكانها حَوالي 8.5 مَليون نَسَمة، مِما يَجعَلها أكبر مَدْيَنة في العِرَاق وثانِي أكبر مَدْيَنة في الوَطَنُ العَرَبي بَعَد القَاهِرةُ. وتأتي بالمًرتبة 40 عالميًا من حيث عدد السكانْ. وتُعد المَدْيَنة المَركز الاِقتِصاديّ والإدِاري والتَعليمِي في الدَّوْلَة

بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في القرن الثامن الميلادي واتخذها عاصمةً للدولة العباسية؛ أصبح لبغداد بعدها مكانة عظيمة، فكانت أهم مراكز العلم على تنوعه في العالم وملتقى للعلماء والدارسين لعدة قرون من الزمن. وتمثل بغداد حاليًا حالةَ من حالات التتابع المدني في إطار موقع واحد، ففي إطار موقع الرافدين تتابعت العواصم من بابل القديمة إلى سلوقية الإغريقية وقطيسفون الفارسية، التي كانت تعرف بمدائن كسرى، ثم بغداد العربية الحالية

كانت بغداد أكبر مدينة في العالم لمُعظم فَترة حُكُم بَنو العَباس خلال العصر الذهبي الإسلامي، بِحَيث بلغَ عَدد سُكانها أكثر من مِليون نَسمة. وصلت مدينة بغداد لذروتها في عصر الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد وارتبطت باسمه في روايات ألف ليلة وليلة ذات الشهرة العالمية، حيث باتت عاصمة العالم القديم. وقد فقدت هذه المكانة منذ عام 1258 عندما غزاها المغول والتتار. مع حلول بدايات القرن السادس عشر، تبادل الصفويون والعثمانيون السيطرة على المدينة، حتى انتزعها العثمانيون أخيراً في عام 1535، فظلت تحت حكمهم قرابة 4 قرون. وفي عام 1917، سيطر الإنجليز على المدينة، وقد خضعت كمعظم مناطق العراق الأخرى تحت الانتداب البريطاني، ثم أصبحت عاصمة للمملكة العراقية عام 1921، والجمهورية العراقية عام 1958

تكمن أهمية موقع بغداد الجغرافي في توافر المياه وتناقص أخطار الفيضانات، ما أدى بدوره إلى اتساع رقعة المدينة وزيادة نفوذها إلى جانب سهولة اتصالها عبر نهر دجلة بواسطة الجسور التي تربطها عبر جوانب النهر، والذي يخترق مركزها لينصفه إلى جزئين هما الكرخ والرصافة. وتتشكل المدينة اليوم من 27 منطقة، تنقسم بدورها إلى عدة أحياء

تمتاز بغداد بأهميتها الثقافية التي تتمثل بوجود عدد كبير من الصروح الهامة كالمتاحف والمدارس التاريخية والمكتبات والمسارح. وتشتهر المدينة بآثارها الإسلامية التي تتمثل ببقايا أسوار مدينة بغداد، ودار الخلافة، والمدرسة المستنصرية. ولبغداد القديمة أسماء عدة كالمدينة المدورة والزوراء ودار السلام

التاريخ

أظهرت التنقيبات الأثرية أن بغداد كانت في الفترات القديمة موطنًا بشريًا مهما يعود إلى العصر الأشوري قبل اختيارها لتكون عاصمة للخلافة العباسية. ومما جعل لهذا الموقع أهميته الجغرافية والاستراتيجية توسطه مدنًا حضارية إنسانية كبرى تمتد من شمال العراق إلى جنوبه. إن هذا الموقع الجغرافي التأريخي جعل بغداد تتبوأ موقعًا متوسطًا بين تلك المدن الأمر الذي شكل بيئة ملائمة لتطور الإنسان وإنجازاته الحضارية والفكرية. وفي العصور التي سبقت الفتح الإسلامي وما بعده، كانت المنطقة التي عرفت في بغداد في العهد العباسي تحيط بها مدن لها أهميتها الاستراتيجية والجغرافية. وتقع مدينة بغداد شمال موقع مدينة بابل الأثرية، إضافةً إلى أنها تقع على بعد بضعة كيلومترات شمال غرب مدينة قطيسفون (المدائن) التي بناها الإغريق قبل الميلاد وورثها الفرس، والتي استمرت كمركز رئيسي للبلاد حتى حلت محلها بغداد في القرن الثامن

بُنيت بغداد في العصر العباسي بين عاميّ 762 و764 م. واُطلق عليها في القديم اسم الزوراء، ومدينة السلام، وكانت ذات يوم عاصمة الدنيا، ومركز الخلافة الإسلامية العباسية. بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وسماها مدينة المنصور، وجعل لها أربعةُ أبواب هي: باب خُراسان، (وكان يسمى باب الدولة)، وبابُ الشام، ثم بابُ الكوفةِ، ثم باب البصرة. وكان المنصور قد اختار لها هذه البقعة من الأرض على ضفتي نهر دجلة. تزخرُ بغدادُ بالكثيرِ من المعالمِ التاريخية والحضارية، أهمها المدرسة المستنصرية، والمساجد الإسلامية القديمة، والقصور الأثرية، وبها عدد من المقامات الدينية، أهمها مقاما الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد بالكاظمية، ومقام أبي حنيفة النعمان، ومقام الشيخ عبد القادر الجيلاني وجامع الخلفاء العباسي المعروف قديمًا بجامع القصر أو جامع الخليفة، وجامع الحيدرخانة وهو من أتقنِ جوامع بغداد صِنعة وإحكامًا

يوجد بالمدينة متاحف تعرض فيه الآثار المختلفة من جواهر وعملات وهياكل بشرية وتماثيل من عصور ما قبل التاريخ حتى القرن السابع عشر الميلادي

العصر العباسي

كان سبب بناء بغداد في العصر العباسي، أن أبو جعفر المنصور بنى الهاشمية قبالة مدينة ابن هبيرة بينهما عرض الطريق، وكانت مدينة ابن هبيرة التي بحيالها مدينة أبي جعفر الهاشمية إلى جانب الكوفة، وبنى المنصور أيضاً مدينة بظهر الكوفة سماها الرصافة. فلما ثارت الراوندية بأبي جعفر في مدينته التي تسمى الهاشمية، كره سكناها لاضطراب من اضطرب أمره عليه من الراوندية مع قرب جواره من الكوفة ولم يأمن أهلها على نفسه فأراد أن يبعد من جوارهم فذكر أنه خرج بنفسه يرتاد لها موضعاً يتخذه مسكناً لنفسه وجنده ويبتني به مدينة فبدأ فانحدر إلى جرجرايا ثم صار إلى بغداد ثم مضى إلى الموصل ثم عاد إلى بغداد فقال هذا موضع معسكر صالح هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء يأتينا فيها كل ما في البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك وهذا الفرات يجيء فيه كل شيء من الشأم والرقة وما حول ذلك فنزل وضرب عسكره على الصراة وخط المدينة ووكل بكل ربع قائدًا

اختار أبو جعفر المنصور موقع بغداد على رقعة مرتفعة من الأرض على الجانب الغربي من نهر دجلة عند مصب نهر الرفيل فيه والتي بدأ العمل في بنائها بتاريخ الثالث والعشرين من تموز من عام سبعمئة وأثنان وستين ميلادية . وكانت تحيط بهذا الموقع قرى مأهولة السكان مزدهرة أهمها: بغداد البالية القديمة، وسونيا الآرامية، والخطابية، وشرفانية، وبناورا، وورثاه، وبراثا، وقطغتا، والوردانية. وكان هناك جسر على دجلة، ودير للنصارى. وكانت الأرض التي تحيطها سهلة زراعية تسقيها مياه ترع تتفرع من نهر الرفيل الواسع الذي يأخذ من نهر الفرات ويبعد عن بغداد نحو 30 كيلومترا، ومن نهر الدجيل الذي يأخذ مياهه من دجلة في شماليها. وهذه الأراضي المزروعة كانت واسعة تنتج محاصيل زراعية وافرة، ويقابلها في شرقي دجلة أراض منبسطة أيضاً تروي مزارعها أنهار وترع عدة

من جهة أخرى، ذُكر عن عيسى بن المنصور أنه قال: “وجدت في خزائن أبي المنصور في الكتب أنه أنفق على مدينة السلام وجامعها وقصر الذهب بها والأسواق والفصلان والخنادق وقبابها وأبوابها أربعة آلاف ألف وثمانمئة وثلاثين درهماً ومبلغها من الفلوس مئة ألف ألف فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس وذلك أن الأستاذ من البنائين كان يعمل يومه بقيراط فضة والروزكاي بحبتين إلى ثلاث حبات. وكانت مدينة بغداد مدورة ويبلغ طول قطرها نحو 2615 مترا، وأحيطت بخندق وسورين بينهما ساحة واسعة. ورسم في داخلها سكك (شوارع أو أزقة) عديدة على كل منها عدد من الطاقات، وكل هذه السكك مستقيمة تمتد من السور إلى رحبة واسعة في وسط المدينة المدورة ، وخص المنصور أبا حنيفة النعمان بالإشراف عليها فكان المشرف العام على بنائها أربعة أعوام ، وعندما انتهى البناء نقل مجالس علمه إليها، حتى توفي في عام ١٥٠ هـ

بتولي هارون الرشيد الحكم بدأ عصر زاهر كان واسطة العقد في تاريخ الدولة العباسية التي دامت أكثر من خمسة قرون، ارتقت فيه العلوم، وسمت الفنون والآداب، وعمَّ الرخاء ربوع الدولة الإسلامية. ولقد أمسك هارون الرشيد بزمام هذه الدولة وهو في نحو الثانية والعشرين من عمرهِ، فأخذ بيدها إلى ما أبهر الناس من مجدها وقوتها وازدهار حضارتها

أصدر الرشيد عند توليه الخلافة عفوا عاما أمن كل من كان هاربا أو مستخفيا عدا بعض الزنادقة.
وأنشأ بما يعرف ببيت الحكمة في بغداد وزودها بأعداد كبيرة من الكتب والمؤلفات من مختلف بقاع الأرض. وكانت تضم غرفًا عديدة تمتد بينها أروقة طويلة، وخُصصت بعضها للكتب، وبعضها للمحاضرات، وبعضها الآخر للناسخين والمترجمين والمجلدين. كما تمت في عهده أول ترجمة إلى العربية لأشهر كتاب علمي عرف في التاريخ وهو “كتاب الأصول (الأركان) في الهندسة والعدد لإقليدس ، وتطورت العلوم خصوصًا الفيزياء الفلكية والتقنية، وابتكرت عدد من الاختراعات كالساعة المائية. كما أنشئ في عهده أول مصنع للورق ببغداد سنة 795 م وصار سوق الوراقين لاحقا الذي يضم مئات الحوانيت التي تبيع السلع الورقية الفاخرة مفخرة عاصمة العباسيين وكان ورق بغداد يقدر تقديرا عاليا في المنطقة حتى أن بعض المصادر البيزنطية تسمي الورق بصحف بغداد (Bagdatixon) في ربط مباشر بينه وبين مدينة بغداد
أنشأ الخليفة العباسي هارون الرشيد أكبر مستشفى في بغداد، سماها بإسمه، ضمت في كادرها أمهر الأطباء، وتولى إدارتها كل من يوحنا بن ماسويه وجبريل بن بختيشوع، وكانت أشهر مستشفى في العالم القديم

اهتم هارون الرشيد بالإصلاحات الداخلية فبنى المساجد الكبيرة والقصور الفخمة وفي عهده استعملت القناديل لأول مرة في إضاءة الطرقات والمساجد. اعتنى الرشيد أيضًا بالزراعة وأسس نظامها، فبنت حكومته الجسور والقناطر الكبيرة وحفرت الترع والجداول الموصلة بين الأنهار، وأسس ديوانًا خاصًا للإشراف على تنفيذ تلك الأعمال الإصلاحية، ومن أعماله أيضًا تشجيع التبادل التجاري بين الولايات وحراسة طرق التجارة بين المدن، وقد شيّد مدينة الواقفة قرب مدينة الرقة على ضفاف الفرات لتكون مقرًا صيفيًا لحكمه

غدت بغداد قبلة طلاب العلم من جميع البلاد، يرحلون إليها حيث كبار الفقهاء والمحدثين والقراء واللغويين، وكانت المساجد الجامعة تحتضن دروسهم وحلقاتهم العلمية التي كان كثير منها أشبه بالمدارس العليا، من حيث غزارة العلم، ودقة التخصص، وحرية الرأي والمناقشة، وثراء الجدل والحوار. كما جذبت المدينة الأطباء والمهندسين وسائر الصناع. وكان الرشيد نفسه يميل إلى أهل الأدب والفقه والعلم، حتى ذاع صيت الرشيد وطبق الآفاق ذكره، وأرسلت بلاد الهند والصين وأوروبا رسلها إلى بلاطهِ تخطب وده، وتطلب صداقته

وقع خلاف بعد عامين من وفاة الرشيد بين ولديه الأمين والمأمون، وحوصرت بغداد لأول مرة في تاريخها ودام الحصار أربعة عشر شهراً. وفي نهاية عام 812 أطبق جند هرثمة وطاهر قائدي المأمون على الأمين في بغداد وعزل هرثمة الجانب الشرقي الذي لم يكن يحميه سوى سور سرعان ما أزاله، بينما عسكر طاهر أمام باب الأنبار فسيطر بذلك على الجانب الغربي، ووجد الخليفة نفسه آخر الأمر منعزلاً في قصر الخلد على شاطئ دجلة وما لبث أن وقع في الأسر وهو يحاول الفرار وقتل في أوائل عام 814، وبموته رفع الحصار وأصبحت بغداد المزدهرة خرائب ورماداً، وأثار موت الأمين سخط أهل بغداد، وتمكن إبراهيم بن المهدي العباسي بفضل الخلاف بين الناس من أن يستولي على بغداد ويصبح صاحب الأمر فيها ما يقرب من عامين غير أن خيانة قواده أجبرته على تسليم المدينة وزمام الحكم إلى الخليفة المأمون. وكانت بطانة المأمون من الفرس تحاول نقل عاصمة الخلافة إلى خراسان ليتم لهم التغلب على شئون الدولة، وتولى الحسن بن سهل العراق والحجاز واليمن فاضطرب حبل الأمن ودبت الفتن في بغداد إلى أن دخلها المأمون عام 820، وعادت لبغداد شيء من نضرتها إلى أن أدركته منيته عام 834، وقد عهد المأمون بالخلافة من بعده لأخيه المعتصم، وظلت بغداد تموج بالفتن حتى أنه في عام 1157 لم يبق من تلك المملكة المترامية الأطراف إلا بغداد وأعمالها وقليل مما يتصل بها. وقد انتقلت العاصمة العباسية في زمن المعتصم عام 837 من بغداد إلى سامراء، وقد أعادها الخليفة العباسي المعتمد عام 893 إلى بغداد، وأقام في دار الخلافة بالجانب الشرقي من نهر دجلة

في منتصف القرن العاشر، استولى آل بويه على بغداد، والذين يرجع نسبهم إلى ملوك الفرس الساسانيين. وقد كان ذلك الاستيلاء في عام 945 بقيادة أحمد معز الدولة، والذي أعلن نفسه حاميا على الخلافة حتى 1055، حيث كان حكم الخليفة في بغداد صوريًا. وقد شجع البويهيون على نشر المذهب الشيعي في المنطقة. تصارعت فروع الأسرة فيما بينها فعمت الاضطرابات أرجاء الدولة. انتهى الأمر بأن قُسمت دولة إلى فرعين، أولهما في العراق والآخر في كرمان. قضى الغزنويون على فرع البويهيين في الري سنة 1023، ثم أنهى السلاجقة ما تبقى من دولتهم وحلوا محلهم في بغداد

ينتمي السلاجقة إلى إحدى العشائر المتزعمة لقبائل الغز التركية. وقد توسعت الدولة السلجوقية في أنحاء مختلفة من تركيا وإيران، حتى استولت على العراق سنة 1055، بعد القضاء على دولة البويهيين في بغداد، وأعلنوا نفسهم كحاميين للخلافة العباسية. وقد استمر حكمهم لأراض شاسعة حتى قضى عليهم الخوارزمشاهات سنة 1194

المغول والتتار

كان المغول تحت قيادة جنكيز خان قد دمروا ولاية خوارزم شاه عند وفاة الخليفة أبو العباس أحمد الناصر لدين الله في 1225، واحتلوا معظم أقسام إيران الشمالية. تمكن جيش الخليفة العباسي المستنصر، حفيد الناصر من دحر الهجوم المغولي على أراضي العراق العربية. وتحت حكم ابنه المستعصم، حاصر المغول بغداد في 1245 دون تحقيق نجاح. إلا أن الفيضانات الفظيعة التي حدثت في الأعوام 1243، 1253، 1255 و1256 خلخلت دفاعات المدينة، وخيرات المنطقة وثقة المواطنين

في عام 1258، طُوقت بغداد بقوة مغولية كبيرة يقودها هولاكو، حفيد جنكيزخان، الذي كان قد أُرسل من منغوليا خصوصًا لكي يتعامل مع العباسيين. وقد سقطت المدينة في 10 شباط/ فبراير 1258، كما اندلعت في أثنائها نيران فتن داخلية انتهت باستيلاء التتار عليها وبقتل الخليفة المستعصم وأولاده ورجال حاشيته وأهل بطانته، وباستباحة بغداد مدة طويلة، وكانت بغداد حين حاصرها المغول غاصة بأهل الأطراف من الذين أجفلوا أمام الجيش المغولي الذين لم يرحموا شيخاً ولا طفلاً ولا امرأة، وبهذا أفلت شمس الخلافة العباسية في بغداد بعد أن أشرقت عليها أكثر من خمسة قرون، وكان أفولها كارثة على الأمم الإسلامية كافة. وقد أبقى هولاكو في أول الأمر الأوضاع الإدارية في بغداد على النمط العباسي تقريباً، ورتب جماعة من الرقباء والأمناء ليشرفوا على كل شيء، وبذلك أصبحت حكومة بغداد مدنية تحت إشراف حكومة عسكرية

لقد دمر المغول معظم مدينة بغداد فعليا، ويُقال أن 800,000 نسمة من سكانها قد أبيدوا. كما خُفضت منزلة المدينة إداريا إلى مركز ولاية. أما بقية المدن في المنطقة العربية من العراق مثل الحلة والكوفة والبصرة فقد رضخت إلى شروط الغازي وأبقيت على حالتها. أما الموصل في شمال العراق فقد أصبحت عاصمة ولاية دياربكر وديار ربيعة. كانت هاتان الولايتان تابعتين مثل المناطق العربية في العراق إلى سياسة دولة الخان الثانية المغولية، والتي كان مقرها في أذربيجان، التي بدورها كانت تابعة إلى دولة الخان العظيم في الصين.

لقد خلفت بغداد مدن عدة في المنطقة مثل تبريز، والتي ظهرت كمركز تجاري رئيس وقاعدة سياسية في المنطقة. أخذ حكم المغول في بغداد والموصل عموما طابع الحكم المشترك الذي يشمل الإداريين المدنين من المسلمين والمسيحين واليهود يسندهم آمر معسكر المغول. وبصورة عامة فإن العراق مر بفترة من الانهيار السياسي والاقتصادي استمر لغاية القرن السادس عشر

في منتصف القرن الرابع عشر، حكم الجلائريون بغداد. وهم أحد العشائر المغولية، لكنها تنتمي إلى تجمع قبائل مختلف عن الذي ينحدر منه جنكيز خان، كما كان مواطنهم في بلاد ما وراء النهر. وقد انتزع الشيخ حسن برزك السلطة في بغداد سنة 1336، ثم حكم بصفة مستقلة منذ 1340.تنازعت هذه السلالة مع القائد المغولي تيمورلنك لحكم العراق، مما أدى به إلى غزو بغداد وطردهم منها سنة 1393. وقد عاد الجلائريون مرة أخرى سنة 1395 إلى المدينة، ثم كانت النتيجة أن عاد إليها تيمورلنك، ودمرها عن آخرها سنة 1401. عاد الجلائريون مجددا إلى بغداد سنة 1406، فقامت قبائل القراقويونلو (الخراف السود) التركمانية بإجلاء آخر الجلائريين عن بغداد سنة 1411. بقي للأسرة حكام في كل من البصرة وخراسان، واستمروا حتى سنة 1432، عندما قضى التركمان عليهم نهائيًا. وظلت بغداد تحت الحكم التركماني من هذا التاريخ حتى عام 1509

الصفويون والعثمانيون

سيطر الصفويون على المدينة في عام 1509 بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي. وبقيت تحت حكم الصفويين حتى انتزعها العثمانيون من يد الصفويين عام 1535، ولكن ما لبث الصفويون أن عادوا ليسيطروا عليها عام 1624م، وحدثت فيها مذبحة عند دخول جيش الشاه، وبقت تحت الحكم الصفوي حتى عام 1639م، حيث دخلها السلطان العثماني مراد الرابع عام 1638م

من جهة أخرى، شهدت بغداد في الفترة الممتدة من 1749 – 1831 حكم مماليك العراق حيث لم يكن للعثمانيين دور مباشر في حكم العراق. وقد بلغت دولة المماليك في العراق أوج قوتها في عهد سليمان باشا الكبير والذي دام حكمه 22 عاما (أنظر: تاريخ بغداد بعد سقوط المماليك)

كانت بغداد تحت الحكم العثماني مركزا لإيالة بغداد ابتداء من عام 1535 وحتى عام 1864، حيث أصبحت بعدها مركزا لولاية بغداد. وقد تأسست بلدية المدينة في عام 1868، كما تم تعيين إبراهيم الدفتري أول رئيس بلدية لها. وتمثل سنة 1869 أهمية كبيرة في تاريخ بغداد في العصر العثماني، حيث بدأ فيها ما يمكن اعتباره عهدًا متميزًا من عهود العثمانيين وضع أسسه الوالي مدحت باشا بتطبيقه لعدد من الأنظمة والقوانين الإصلاحية التي شرعتها الدولة خلال عهد الإصلاحات وإعادة البناء الذي أطلق عليه عهد التنظيمات. وكان من مُجمل أهمية بغداد للعثمانيين أن جعلوا مقر الفيلقِ السادس في الجيش العثماني في المدينة. وقد بقيت بغداد تحت الحكم العثماني حتى سقوط الدولة العثمانية وقدوم الإنجليز في عام 1917

الانتداب البريطاني

كان أول نزول للقوات البريطانية على أرض العراق في شهر أيلول/ سبتمبر سنة 1914 من منطقة الفاو، وهي بلدة تقع أقصى الجنوب تطل على الخليج العربي. وقد أرسلت القوات البريطانية من الهند بقصد إزاحة العثمانيين عن الخليج وحماية منشآت النفط في جنوب غرب إيران. حتى وصلت بغداد بعد جهود وخسائر كبيرة بعد أكثر من سنتين ونصف السنة، دافعت خلالها القوات العثمانية دفاعاً مستميتًا

وفي يوم الأحد 11 آذار/ مارس 1917، سقطت بغداد بقيادة الجنرال البريطاني ستانلي مود، بعد سلسلة من الانتصارات في يد الجيش البريطاني خلال القتال مع الأتراك العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، كما وقعت بغداد كمعظم مناطق العراق الأخرى تحت الانتداب البريطاني

لم تمر إلا سنوات قليلة حتى انتشرت الروح الوطنية بين العراقيين للتحرر من السيطرة البريطانية بسبب قرار الحكومة البريطانية ربط العراق بالكومنولث البريطاني، وقرارها بتشكيل الإدارة المدنية في العراق، التي ترأسها السير أرنولد ويلسون حتى أيار 1918 فتبعه السير بيرسي كوكس الذي ألغى العديد من المؤسسات الإدارية العثمانية، وانشأ محلها مؤسسات عسكرية لإدارة الشؤون المدنية، ووضع على رأسها ضباطًا من رتب عالية، فحكموا بشكل صارم، وتصرفوا مع العراقيين بشكل مهين. فكان لتلك التصرفات ردود أفعال معاكسة من قبل العراقيين، مما أدى إلى انطلاق ثورة شعبية عام 1920 لتمتد في كل أجزاء العراق، سُميت بثورة العشرين، وقد استمرت ستة أشهر تقريباً

التاريخ المعاصر

أصبحت بغداد عاصمة لمملكة العراق بعد عام 1921. وقد مُنح العراق الاستقلال رسميًا في عام 1932، وزاد استقلاله في عام 1946. ازداد عدد سكان المدينة من 145,000 المقدر في عام 1900 إلى 580,000 في عام 1950

قام أعضاء في “المربع الذهبي” في 1 نيسان/ أبريل 1941، ورشيد عالي الكيلاني بانقلاب في بغداد. عمل رشيد علي تثبيت حكومة موالية للألمان وإيطاليا المؤيدتان لاستبدال حكومة عبد الإله بن علي الهاشمي الموالية لبريطانيا. في 31 أيار/ مايو، بعد الثورة وبعد فرار رشيد علي وحكومته، استسلم رئيس بلدية بغداد للقوات البريطانية والكومنولث. حدثت عقب الفوضى التي أعقبت سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني خلال انقلاب 1941 أعمال عنف ونهب نشبت في بغداد بالعراق واستهدفت سكان المدينة من اليهود في 1 حزيران/ يونيو 1941 خلال احتفالهم بعيد الشفوعوت اليهودي، قبل أن تتمكن القوات البريطانية من السيطرة على المدينة. انتهت الحادثة في اليوم التالي لدى دخول البريطانيين بغداد وراح ضحيتها حوالي 175 قتيلا و1،000 جريحا يهوديا، كما تم تدمير حوالي 900 منزلا تابعا لليهود. تركت هذه الحادثة أثرا عميقا لدى اليهود العراقيين وساعدت على سرعة هجرتهم إلى فلسطين. فبحلول عام 1951 هاجر أكثر من 80% منهم من العراق

نصب الحرية في ساحة التحرير، 1961. من أهم معالم بغداد في العصر الحديث
في 14 تموز/ يوليو 1958، قام أفراد من الجيش العراقي بقيادة عبد الكريم قاسم بانقلاب للإطاحة بمملكة العراق. تم إعلان قيام الجمهورية العراقية وانتهاء حقبة العهد الملكي من خلال البيان الأول للحركة والذي أذاعه عبد السلام عارف من دار الإذاعة، وذلك بعد نجاحه في قلب نظام الحكم وقتل الملك فيصل الثاني، وقاموا بالسيطرة على القيادة العامة للجيش ودار الإذاعة ومجمع بدالة الهاتف المركزي، من خلال قطاعات اللواء العشرين الذي تحت إمرته. في 17 تموز/ يوليو 1968، قام حزب البعث العربي الاشتراكي بالتحالف مع ضباط بعثيين بانقلاب على الرئيس عبد الرحمن عارف الذي استلم الحكم بعد وفاة أخيه عبد السلام عارف. وقد تم تعيين أحمد حسن البكر رئيسا لمجلس قيادة الثورة ورئيساً للجمهورية وقائدًا عامًا للجيش وأصبح صدام حسين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، كما أصبح نائب رئيس الجمهورية في عام 1972. يصف الكثير من العراقيين فترة البكر بالعصر الذهبي لبغداد، إذ قام العراق بتأميم النفط والقضاء على الأمية والبطالة

استلم الرئيس صدام حسين الحكم في عام 1979. وسرعان ما أدخل البلاد في حرب مع إيران دامت ثماني سنوات ابتداءً من عام 1980. ولم تدم فترة السلم إلا عامين حتى غزى الكويت عام 1990، لتبدأ حرب الخليج الثانية على العراق بقيادة قوات التحالف. وقد تم تدمير الكثير من البنى التحتية للعاصمة بغداد من طرق وجسور وحتى محطات توليد الكهرباء. كما تم بعدها فرض حصار اقتصادي على العراق دام لمدة 13 عام حتى سقوط حكم حزب البعث في العراق عام 2003

الاحتلال الأمريكي

شنّت الولايات المتحدة حربًا على العراق في عام 2003 بحجة وجود أسلحة للدمار الشامل. وبعد ثلاثة أسابيع من بداية الحملة، بدأت القوات الأمريكة تحركها نحو العاصمة بغداد. كان التوقع الأولي ان تقوم القوات المدرعة الأمريكية بحصار المدينة وتقوم بحرب شوارع في بغداد بإسناد من القوة الجوية الأمريكية، خاصة بعد المعارك التي حدثت مع القوات العراقية في الجنوب

أعلنت القوات الأمريكية في 9 نيسان/ أبريل 2003 بسط سيطرتها على معظم المناطق بعد انهيار الدفاعات العراقية بشكل مفاجئ، ونقلت وكالات الأنباء مشاهد لحشد صغير يحاولون الإطاحة بتمثال للرئيس العراقي صدام حسين في وسط ساحة الفردوس، والتي قاموا بها بمساعدة من ناقلة دبابات أمريكية وقام المارينز بوضع العلم الأمريكي على وجه التمثال ليستبدلوه بعلم العراق فيما بعد، بعد أن أدركوا أن للأمر رموزًا ومعاني قد تثير المشاكل. وقد تولى القائد العسكري الأمريكي تومي فرانكس قيادة العراق في تلك الفترة باعتباره القائد العام للقوات الأمريكية

تسبب هذا الغزو بأضرار كبيرة في بغداد شملت جميع القطاعات بما فيها النقل، الطاقة، البنية التحتية والصحة. ولا تزال المدينة تعاني من نتائج هذه الحرب إلى اليوم

الوضع الحالي

بدأ انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عام 2009، واستمر لعامين، حيث غادر آخر جندي أمريكي البلاد في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2011. وقد أتى هذا الانسحاب بعد ضغوط داخلية وخارجية على الإدارة الأمريكية، حيث خسرت الولايات المتحدة خلال احتلالها للعراق 4474 قتيلاً و33 ألف جريح حسب الأرقام الرسمية، كما أنفقت حوالي تريليون دولار. من جهة أخرى، عانى العراق من تبعات هذا الانسحاب سياسيًا وأمنيًا. وقد شهدت بغداد عددًا كبيرًا من التفجيرات التي تلت هذا الانسحاب، نتيجة الخروقات الأمنية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *